الحلبي
351
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الأمة هو الأول : أي القول بأنه اقرأ ، وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول ، هذا كلامه . ثم رأيت الإمام النووي قال : القول بأن الفاتحة أول ما نزل بطلانه أظهر من أن يذكر : أي ومما يدل على ذلك ما جاء من طرق عن مجاهد أن الفاتحة نزلت بالمدينة . ففي تفسير وكيع عن مجاهد : فاتحة الكتاب مدنية ، وفيه أنه جاء عن قتادة أنها نزلت بمكة . وعن علي كرم اللّه وجهه كما في أسباب النزول للواحدي أنها نزلت بمكة من كنز تحت العرش . وفيها عنه « لما قام النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة فقال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) [ الفاتحة : الآية 1 و 2 ] قالت قريش رض اللّه فاك » . وفي الكشاف أن الفاتحة نزلت بمكة ، وقيل نزلت بالمدينة ، فهي مكية مدنية ، هذا كلامه وتبعه على ترجيح أنها مكية القاضي البيضاوي حيث قال : وقد صح أنها مكية . وفي الإتقان وذكر قوم منه أي مما تكرر نزوله الفاتحة ، فليتأمل فإنه لا يقال ذلك إلا بناء على أنها نزلت بهما : أي نزلت بمكة ثم بالمدينة مبالغة في شرفها . وقد أشار القاضي البيضاوي إلى أن تكرير نزولها ليس مجزوم به . وقيل نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة . قال في الإتقان : والظاهر أن النصف الذي نزل بالمدينة النصف الثاني ، قال ولا دليل لهذا القول ، هذا كلامه . واستدل بعضهم على أنها مكية بأنه لا خلاف أن سورة الحجر مكية ، وفيها وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) [ الحجر : الآية 87 ] وهي الفاتحة . فعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد قرئ عليه الفاتحة « والذي نفسي بيده ما أنزل اللّه تعالى في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، إنها لهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته » . وقد حكى بعضهم الاتفاق على أن المراد بالسبع المثاني في آية الحجر هي الفاتحة . ويردّ دعوى الاتفاق قول الجلال السيوطي : وقد صح عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما تفسير السبع المثاني في آية الحجر بالسبع الطوال . ومما يدل على أن المراد بها الفاتحة ، ما ذكر في سبب نزولها وهو أن عيرا لأبي جهل قدمت من الشام بمال عظيم وهي سبع قوافل ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ينظرون إليها وأكثر الصحابة بهم عري وجوع ، فخطر ببال النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء لحاجة أصحابه فنزل وَلَقَدْ آتَيْناكَ [ الحجر : الآية 87 ] أي أعطيناك سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [ الحجر : الآية 87 ] مكان سبع قوافل ، ولا تنظر إلى ما أعطيناه لأبي جهل وهو متاع الدنيا الدنية وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [ الحجر : الآية 88 ] أي على أصحابك وَاخْفِضْ جَناحَكَ [ الحجر : الآية 88 ]